الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

215

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بالمنع من تركه قاض بالمنع من ترك الآخر وما يمنع من ترك الآخر يحكم بوجوبه والجواب عنها بعد ما بيناه ظاهر فإن أقصى ما يستفاد منها هو وجوب المقدمة بالعرض والمجاز تبعا لوجوب ذيها على الوجه الذي قررنا نظرا إلى عدم إمكان انفكاكه عنها وهو غير المدعى كما مرت الإشارة إليه مرادا هذا [ حجة أخرى لوجوب المقدمة . ] ويمكن الاستناد في وجوب المقدمة إلى وجه آخر بأن يقال إن من تصور معنى المقدمة وتصور مفاد الوجوب الغيري على ما ينبغي وتصور النسبة بين الأمرين جزم باللزوم بينها من غير تشكيك فيكون الوجوب على الوجه المذكور من لوازمه البينة بالمعنى الأعم من غير أن يتوقف إثباته على الاستدلال وقد نبه على ذلك العلامة الدواني وربما يلوح من كلام المحقق الطوسي كما مرت الإشارة إليه وليس المقصود بذلك وجوبها بالعرض والمجاز كما زعمه بعض الأعلام إذ ليس ذلك اتصافا لها بالوجوب على الحقيقة وقضية ما ذكر من الوجه هو وجوب المقدمة على وجه الحقيقة على أن يكون الوجوب صفة ثابتة لها وإن كان غيريا لا وجوبها بوجوب غيرها كما هو الحال في اللوازم ولذا يجد العقل فرقا بينا بين لوازم الواجب ولواحقه من الأمور التابعة لوجوده وما يتوقف عليه وجود الواجب ولا يمكن حصوله بدونه والوجوب المحكوم به في المقام إنما هو من جهة التوقف دون مجرد الاستلزام كما لا يخفى على المتأمل كيف ولو كانت واجبة على الوجه الثاني خاصة لاكتفي في وجودها بمجرد وجود الواجب فإن وجوبها حينئذ إنما يتفرع على عدم انفكاكها عن الواجب فيثبت لها الحكم الثابت له بالعرض والمجاز وليس الحال كذلك بالنسبة إليها بل الأمر فيها بالعكس بالنسبة إلى المقدمة السببية وفي غيرها لا يكون حصول المقدمة متفرعا على حصول ذيها ضرورة والحاصل أن هناك فرقا ظاهرا بين عدم انفكاك الشيء عن الواجب وعدم إمكان انفكاك الواجب عن الشيء لتوقفه عليه واللازم للأول هو وجوب ذلك الشيء بوجوب ذلك الغير بالعرض والمجاز تبعا للواجب واللازم للثاني زيادة على ذلك وجوبه لأجل الغير على الوجه الذي قررناه وهو أمر ظاهر بعد التأمل فيما بيناه وهو المدعى [ حجة القول الرابع . ] وأما القول الرابع فقد احتج عليه الحاجبي أما على وجوب الشرط الشرعي فيما توضيحه أنه لو لم يكن الشرط واجبا خرج عن كونه شرطا وهو خلف أما الملازمة فلأنه مع البناء على عدم وجوبه يجوز للمكلف تركه فحينئذ إذا تركه وأتى بالمشروط فإما أن يكون آتيا بتمام المأمور به أو بعضه لا سبيل إلى الثاني فتعين الأول إذ الشرط الشرعي لا يتوقف عليه إيجاد المشروط عقلا ولا عادة والمفروض أنه لا يجب الإتيان به شرعا أيضا فالمكلف إذا تركه وأتى بالمشروط فقد أتى بجميع ما يجب عليه وذلك قاض بحصول الامتثال والاجتزاء بالإتيان به من دون شرط وهو ما ذكرناه من اللازم وأما على عدم وجوب غيره فبجملة من أدلة القائلين بعدم وجوب المقدمة وقد مر الكلام فيها وفيما يرد عليها ويرد على ما احتج به على الوجوب في الشرط الشرعي أنه لا فرق بين الشروط الشرعية وغيرها إلا في كون الاشتراط فيها حاصلا بحكم الشرع وفي غيرها حاصلا من جهة العقل أو العادة فبعد ثبوت الاشتراط من جهة الشرع كيف يعقل القول بحصول المشروط من دون شرطه لو قلنا بعدم وجوب الشرط إذ لا ملازمة بين عدم وجوب الشرط وإمكان الإتيان بالمشروط مع انتفائه كما أن عدم الوجوب بالنسبة إلى المقدمات العقلية والعادية لا يقضي بإمكان أداء الواجب من دونها غاية الأمر أن يكون التوقف والاشتراط هناك بالنظر إلى العقل أو العادة وهنا بالنظر إلى الشرع بل نقول إن الامتناع الإتيان به من دونه هنا أيضا عقلي بعد ثبوت الاشتراط والتوقف لعدم إمكان الإتيان بالمقيد من دون القيد وخروج القيد عن الواجب لا يقضي بإمكان حصوله من دونه مع دخول التقييد فيه فالتوقف عقليّ وإن كان الشرط شرعيا وأيضا على ما هو المختار عند العدلية من مطابقة حكم العقل للشرع يكون الشرط الشرعي راجعا إلى العقلي غاية الأمر أن لا يكون الاشتراط معلوما للعقول الضعيفة ويكون حكم الشرع كاشفا عنه فلا وجه للتفصيل بينهما وأورد عليه أيضا بأن الكلام في المقام إنما هو في دلالة مجرد الأمر بالشيء على الأمر بمقدمته ولا يظهر من البيان المذكور فرق بين الشروط الشرعية وغيرها في ذلك غاية الأمر أن الشروط الشرعية يحسب الإتيان بها من جهة حكم الشرع بوجوبها إذ ليس مفاد حكمه بشرطية شيء للواجب على ما ذكره إلا وجوب الإتيان به لأداء ذلك الواجب فوجوب الشرائط الشرعية معلوم من حكم الشارع كما أن وجوب الشرائط العقلية معلوم في حكم العقل فليس وجوبها من جهة الأمر بما يتوقف عليها كما هو المدعى ولا يخفى عليك ما فيه فإن ذلك عين مقصود المفصل فإنه إنما يستفيد وجوب الشروط الشرعية من وجوب المشروط به بعد حكم الشارع بالاشتراط فإن قلت إنه لا ربط لما ذكره بكون الأمر بالشيء أمرا بمقدمته حتى يصح عدّ ما ذكر من القول تفصيلا في المسألة فإن قضية الحجة المذكورة دلالة حكم الشارع بالاشتراط على وجوب الشرط والأمر به وهذا مما لا ربط له بكون الأمر بالمشروط قاضيا بوجوبه كما هو الملحوظ في المقام قلت من البين أن مجرد الحكم بالاشتراط لا يفيد وجوب الشرط إذ قد لا يكون المشروط واجبا فلا يعقل وجوب شرطه وإنما يحكم بدلالة الاشتراط عليه بعد الحكم بوجوب المشروط فيكون وجوب الشرط مستفادا من وجوب المشروط بعد ثبوت الاشتراط فيندرج ذلك في محل النزاع وربما يورد في المقام بأنه إذا كان الواجب هو الفعل المقيد بالشرط المخصوص كالصلاة المخصوصة الصادرة عن المتطهر فلا يمكن تحصيلها إلا بإيجاد سببها كان التكليف بالصلاة المخصوصة لخصوصية المذكورة تكليفا بأسبابه وسببه الأمر كان المخصوصة مع الطهارة فيلزم تعلق التكليف بالطهارة كتعلقه بالصلاة وفيه بعد تسليم القائل المذكور بوجوب السبب كما هو أحد الاحتمالين في مذهبه أنه إذا كان الواجب هو الفعل المقيد لم يصح عد الإتيان بالسبب الباعث على حصول القيد سببا لحصول الواجب إذ ليس الواجب هناك إلا شيئا واحدا ومن الواضح أن مجرد الإتيان بالشرط ليس سببا لحصول الفعل بل ولا لاقتران الفعل به وإلا لزم حصول الصلاة بمجرد الإتيان بالطهارة فكيف يصح عد ذلك من المقدمة السببية على أن الحال في الشروط ليست بأعظم من الأجزاء واجبة بناء على القول بعدم وجوب المقدمة فضلا عن السبب الباعث على وجودها فكيف يصح القول بوجوب السبب المؤدي إلى وجود الشرط ثم إن عد نفس الصلاة سببا لأداء الواجب مع وضوح كونه أداء لنفس الواجب كما ترى واحتج في النهاية للقائل بوجوب الشرط دون غيره أنه لو لم يجب الشرط لم يكن شرطا وأنت خبير